علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
327
الصداقة والصديق
وجفاء تبديه ، وتزعم أنك لا تنويه ، لا كان من قبل هذا ولا أفلح ، لأني إنّما أحبّ اعتقاد الصديق لي الخير لتولينيه ، وأكره انطواء العذر لي على القبيح خوفا من أن تبلينيه ، وإذا كان فعلاهما بي سيّين « 1 » لم أعرف بهما فاصلا ، لأن السرائر مغيّبة عن العيان ، ولو اطّلع عليها لما كان في صافيها نفع ، ولا في دخل دخيلها ضرر ، ما لم يبد من أهل السوء والشر ، بل [ لكان ] العدو الذي أحذره ويسرّني ، أحبّ إليّ من صديق آمنه ويغرّني ، وأسكن إليه ويضرّني ، ولهذه العلة تراني أخالف أكثر الناس في هذا الباب وأقول : إن الواجب أن تردّ باطن الناس إلى ظاهرهم ، وتستشهد أفعالهم على سرائرهم ، إذ كانت الأفعال نتائج النيّات وثمراتها ، وأسلك مع إخواني في هذا السبيل وأسألهم أن يجروني على مثل هذه الوتيرة ، ويعفوني من سريرة لا تعلم مصدوقتها ، ولا تعرف حقيقتها ، وأجريهم على ذلك فليس من العدل أن يطالب المرء لنفسه بما لا يبذله منها ، وإذا عاملت الصديق الذي تصافيه بالجفاء ، فقد حملته على السيرة في الأعداء ، وهذا فاحش الخطأ ، وأفحش منه أن تمنح العدو من الصلة تصنّعا ، ما تمنعه الصديق تطوّعا ، واللّه المستعان والمستودع لما لديك ، والمستزاد في الإحسان إليك . [ من رسالة أخرى ] كاتب : وليس يضيق بيننا أمر من جهة الحجة إلّا اتّسع من قبل المودّة ، والحرمة ، والأسباب المتصلة . [ من رسالة أخرى ] آخر : وأنت أيها الأخ في حال الجفوة إذا اعتمدتها أبرّ من غيرك في حال / الصلة إذا توخّاها وقصدها . [ رسالة أخرى ] آخر : ولولا أنك قلت فقلت ، وكتبت فأجبت ، لكان ما عندك من المعرفة بموقعي منك في هذا وغيره مغنيا عن الإفصاح ، ونائبا عن
--> ( 1 ) السّيّ : المساوي والمثل وهما سيّان أي مثلان والجمع أسواء .